الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
300
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمكر تقدم عند قوله تعالى وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ في سورة آل عمران [ 54 ] . و ( ما ) مصدرية ، أي من مكرهم . [ 71 - 72 ] [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 71 إلى 72 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 ) عطف على وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً [ النمل : 67 ] . والتعبير هنا بالمضارع للدلالة على تجدد ذلك القول منهم ، أي لم يزالوا يقولون . والمراد بالوعد ما أنذروا به من العقاب . والاستفهام عن زمانه ، وهو استفهام تهكم منهم بقرينة قوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وأمر اللّه نبيه بالجواب عن قولهم لأن هذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا اللّه ومن أطلعه على شيء منه من عباده المصطفين . والجواب جار على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على حقيقة الاستفهام تنبيها على أن حقهم أن يسألوا عن وقت الوعيد ليتقدموه بالإيمان . و عَسى للرجاء ، وهو مستعمل في التقريب مع التحقيق . و رَدِفَ تبع بقرب . وعدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه لتضمينه معنى ( اقترب ) أو اللام للتوكيد مثل شكر له . والمعنى : رجاء أن يكون ذلك قريب الزمن . وهذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر . وحذف متعلق تَسْتَعْجِلُونَ أي تستعجلون به . [ 73 ] [ سورة النمل ( 27 ) : آية 73 ] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 73 ) موقع هذا موقع الاستدراك على قوله عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [ النمل : 72 ] أي أن تأخير العذاب عنهم هو من فضل اللّه عليهم . وهذا خبر خاص بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم تنبيها على أن تأخير الوعيد أثر من آثار رحمة اللّه لأن أزمنة التأخير أزمنة إمهال فهم فيها بنعمة ، لأن اللّه ذو فضل على الناس كلهم . وقد كنا قدمنا مسألة أن نعمة الكافر نعمة حقيقية أو ليست نعمة والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي . والتعبير ب لَذُو فَضْلٍ يدل على أن الفضل من شؤونه . وتنكير فَضْلٍ للتعظيم .